اسماعيل بن محمد القونوي
414
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الإفادة وإن كان يستعمل كل منهما في موضع الآخر كما مر بيانه الوافي في قوله تعالى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ البقرة : 4 ] الآية ( لأن نزوله نجما فنجما بحسب الوقائع ) أي مفرقا ومرتبا فنجما حال قوله فنجما عطف عليه بالفاء فمثله من الحال يدل على الترتيب نحو علمته النحو فبابا والنجم في الأصل اسم للكوكب ولما كانت العرب توقت بطلوع النجم سموا الوقت الذي يحل فيه الأداء نجما تجوزا ثم توسعوا الوظيفة لوقوعها في الوقت الذي يطلع فيه النجم واشتقوا منه فقالوا نجمت الشيء إذا فرقته ووزعته ( على ما ترى عليه أهل الشعر والخطابة ) فإنهم ينشئون الشعر والخطابة نجما فنجما بحسب الوقائع قوله : مما يريهم خبر لأن أي لأن نزوله هكذا منجما مما يوقعهم في الريب أي مما يشككهم في أنه من عند اللّه فإنهم قالوا لو كان ما جاء به محمد كلام اللّه لما خالف ما عليه عادة البشر في أشعارهم وخطبهم من وقوع ذلك منهم مفرقا حينا فحينا على حسب ما يظهر لهم من الأحوال وفي الكشاف قيل مِمَّا نَزَّلْنا [ البقرة : 23 ] على لفظ التنزيل لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من محازه لمكان التحدي وذلك أنهم كانوا يقولون لو كان هذا من عند اللّه مخالفا لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة وآيات غب آيات على حسب النوازل وكفاء الحوادث وعلى سنن ما ترى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا وشيئا فشيئا حسب ما يعن لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة لا يلقى الناظم ديوان شعره دفعة ولا يرمي الناثر لمجموع خطبته ورسائله ضربة فلو أنزله اللّه خلاف هذه العادة جملة واحدة قال اللّه : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] فقيل إن ارتبتم في هذا واقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه وهلموا نجما فردا من نجومه سورة من أصغر السور أو آيات شتى مفتريات وهذه غاية التبكيت ومنتهى إزاحة العلل إلى هنا كلامه والحاصل أنه إنما وقع التحدي بكلام جاء على حسب سنن كلامهما لأن الالزام بما يماثل كلامهم في الطرز والطريق أشد عليهم تبكيتا من الإلزام بما يخالفه في ذلك على نحو ما ذكر من النكتة في ابتداء السور بالحروف المقطعات على وجه أقول حاصل كلام القاضي رحمه اللّه أنه اختير لفظ التنزيل على الإنزال لهذه النكتة فيلزم أنه لولا هذه النكتة لساوى اللفظان ولم يترجح أحدهما على الآخر وليس كذلك لأن الواقع النزول على مهل وتدريج بحسب اقتضاء الأحوال فاختير التنزيل لأنه هو المطابق للواقع وفي ضمنه مراعاة جهة التحدي والالزام الأتم فإنه لو قيل ولو أنزلنا لحصل المطلوب من التحدي والالزام لكن يفوت فيه شيئان مطابقة معنى اللفظ لما هو الواقع وتمام التبكيت ولا يرد هذا على كلام الكشاف نعم يرد على قوله وهو من محازه أي والنزول على سبيل التدريج من محاز استعمال لفظ التنزيل مجاز حتى يكون النزول التدريجي واحدا منها بل كل موضع استعمل فيه التنزيل يكون المراد النزول التدريجي فمحز التنزيل منحصر في النزول التدريجي وأيضا التعليل بقوله لمكان التحدي لا يناسبه وإنما التعليل المناسب له أن يقال لدلالة هذه على التدريج فالصواب أن يقال إن السائل لما قال لم أوثر لفظ التنزيل ههنا على لفظ الإنزال أجاب بأن التنزيل هو النزول التدريجي وهذا المقام من مجاز النزول التدريجي ومواقعه لأن هذا المقام مكان التحدي فإن ارتيابهم في القرآن إنما كان لنزوله نجما فنجما على سنن ما عليه الشعر والخطابة فتحدوا بأنه إن كان ريبكم في القرآن من حيث إنه